السيد الطباطبائي

21

تفسير الميزان

والمعنى : فأصبح موسى في المدينة - ولم يرجع إلى بلاط فرعون - والحال أنه خائف من فرعون ينتظر الشر ففاجأه أن الإسرائيلي الذي استنصره على القبطي بالأمس يستغيث به رافعا صوته على قبطي آخر قال موسى للإسرائيلي توبيخا وتأنيبا : انك لغوي مبين لا تسلك سبيل الرشد والصواب لأنه كان يخاصم ويقتتل قوما ليس في مخاصمتهم والمقاومة عليهم الا الشر كل الشر . قوله تعالى : ( فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس ) إلى آخر الآية ، ذكر جل المفسرين أن ضمير ( قال ) للإسرائيلي الذي كان يستصرخه وذلك أنه ظن أن موسى إنما يريد أن يبطش به لما سمعه يعاتبه قبل بقوله : ( انك لغوي مبين ) فهاله ما رأى من ارادته البطش فقال : يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس ) الخ ، فعلم القبطي عند ذلك أن موسى هو الذي قتل القبطي بالأمس فرجع إلى فرعون فأخبره الخبر فائتمروا بموسى وعزموا على قتله . وما ذكروه في محله لشهادة السياق بذلك فلا يعبأ بما قيل : ان القائل هو القبطي دون الإسرائيلي ، هذا ومعنى باقي الآية ظاهر . وفى قوله : ( أن يبطش بالذي هو عدو لهما ) تعريض للتوراة الحاضرة حيث تذكر أن المتقاتلين هذين كانا جميعا إسرائيليين ، وفيه أيضا تأييد أن القائل : ( يا موسى أتريد ) الخ ، الإسرائيلي دون القبطي لان سياقه سياق اللوم والشكوى . قوله تعالى : ( وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى ان الملا يأتمرون بك ليقتلوك ) الخ ، الائتمار المشاورة ، والنصيحة خلاف الخيانة . والظاهر كون قوله : ( من أقصى المدينة ( قيدا لقوله : ( جاء ) فسياق القصة يعطى أن الائتمار كان عند فرعون وبأمر منه ، وأن هذا الرجل جاء من هناك وقد كان قصر فرعون في أقصى المدينة وخارجها فأخبر موسى بما قصدوه من قتله وأشار عليه بالخروج من المدينة . وهذا الاستئناس من الكلام يؤيد ما تقدم أن قصر فرعون الذي كان يسكنه كان خارج المدينة ، ومعنى الآية ظاهر .